فقدان الدافعية عند الطفل للدراسة. لماذا يرفض المذاكرة؟ وكيف نعيد الحافز بدون ضغط؟
يُعد فقدان الدافعية عند الطفل للدراسة من أكثر المشكلات شيوعًا في البيوت، وغالبًا ما تظهر في صورة عبارات مثل:
«مش عايز أذاكر»، «الدراسة مملة»، أو «مش فاهم حاجة».
وتقف الأمهات حائرات بين الشدّ واللين، دون إدراك أن فقدان الدافعية ليس عنادًا، بل رسالة نفسية تحتاج إلى فهم.
الدافعية هي الوقود الحقيقي للتعلم، وبدونها يتحول التحصيل الدراسي إلى مهمة ثقيلة، مهما توفرت القدرات العقلية. في هذا المقال نناقش أسباب فقدان الدافعية عند الطفل للدراسة، ونقدّم حلولًا عملية تساعد على استعادة الحافز بشكل صحي ومتدرج.
أولًا: ما المقصود بالدافعية الدراسية؟
الدافعية الدراسية هي الرغبة الداخلية التي تدفع الطفل للتعلم، والإنجاز، والاستمرار رغم الصعوبات.
وهي نوعان:
- دافعية داخلية: نابعة من حب التعلم والفضول
- دافعية خارجية: مثل المكافآت أو الخوف من العقاب
المشكلة تبدأ عندما يعتمد الطفل فقط على الدافعية الخارجية، أو يفقد النوعين معًا.
ثانيًا: أسباب فقدان الدافعية عند الطفل للدراسة
1. الربط بين الدراسة والعقاب
عندما تصبح المذاكرة مرتبطة دائمًا:
- بالصراخ
- بالتهديد
- بالحرمان
- يفقد الطفل تلقائيًا أي رغبة داخلية في التعلم.
- العقل البشري بطبيعته يهرب من الألم، لا يسعى إليه.
2. تراكم الفشل والشعور بالعجز
الطفل الذي يذاكر ولا يحقق نتائج جيدة، يبدأ في الإحساس بالعجز المكتسب.
ومع الوقت يقول لنفسه:
"مهما عملت مش هنجح"
وهنا لا يكون فقدان الدافعية كسلًا، بل استسلامًا نفسيًا.
3. التوقعات غير الواقعية من الأهل
عندما يُطالَب الطفل بما يفوق قدراته أو مرحلته العمرية، يشعر أنه دائمًا أقل من المطلوب.
الضغط المستمر دون مراعاة الفروق الفردية يُطفئ الحافز بدل أن يشعله.
4. المقارنة المستمرة بالآخرين
المقارنة:
- تقتل المتعة
- تُضعف الثقة
- تخلق منافسة غير صحية
- الطفل لا ينافس زملاءه، بل ينافس صورًا مثالية لا تشبهه.
5. غياب المعنى والهدف
كثير من الأطفال لا يعرفون لماذا يدرسون.
الدراسة بالنسبة لهم مجرد:
- واجبات
- امتحانات
- درجات
- وعندما يغيب الهدف، تغيب الدافعية.
6. الملل وعدم تنويع أساليب المذاكرة
التكرار، والحفظ فقط، والجلوس الطويل، كلها عوامل تُشعر الطفل بالملل.
الملل عدو مباشر للدافعية.
ثالثًا: كيف نميّز بين فقدان الدافعية والكسل؟
الطفل الكسول:
- لا يبذل أي جهد
- لا يهتم بالنتيجة
أما الطفل فاقد الدافعية:
- يحاول ثم يتوقف
- يشعر بالإحباط
- يتجنب المذاكرة لأنه لا يرى فائدة
- والفرق مهم جدًا، لأن أسلوب التعامل مختلف تمامًا.
رابعًا: حلول عملية لإعادة الدافعية عند الطفل
1. إعادة بناء العلاقة مع المذاكرة
ابدئي بإزالة التوتر:
- مذاكرة قصيرة
- بدون تهديد
- بدون صراخ
- اجعلي المذاكرة مساحة آمنة، لا ساحة معركة.
2. التركيز على الجهد لا النتيجة
بدلًا من:
"جبت كام؟"
اسألي:
"حاولت إزاي؟"
التركيز على الجهد يُعيد للطفل شعوره بالقيمة، ويشجعه على الاستمرار.
3. تقسيم المهام
المهام الكبيرة تُخيف الطفل.
قسّمي:
- الدرس
- الواجب
- وقت المذاكرة
- إلى خطوات صغيرة قابلة للإنجاز، وكل إنجاز صغير يعيد جزءًا من الدافعية.
4. إشراك الطفل في اتخاذ القرار
اسأليه:
- تحب تذاكر إمتى؟
- تحب تبدأ بأنهي مادة؟
- إحساس السيطرة يُعزز الدافعية بشكل كبير.
5. ربط الدراسة بالحياة
اشرحي له:
- فايدة اللي بيتعلمه
- استخدامه في الحياة
- علاقته بأحلامه
- حتى لو بشكل بسيط يناسب عمره.
6. المكافآت الذكية
المكافأة ليست رشوة، إذا استُخدمت بحكمة.
يفضل:
- مكافآت معنوية
- وقت مشترك
- كلمات تقدير
- مع تقليل الاعتماد على المكافآت المادية.
خامسًا: دور الأهل في استعادة الحافز
الأهل هم المصدر الأول للدافعية، سواء بالإيجاب أو السلب.
كلمة مشجعة في وقتها قد تُحدث فرقًا أكبر من ألف عقاب.
الطفل يحتاج:
- أن يُفهم
- لا أن يُدان
- أن يُحتوى
- لا أن يُقارن
أخطاء شائعة تزيد فقدان الدافعية دون أن نشعر
ربط قيمة الطفل بالتحصيل الدراسي
من أخطر ما يضعف دافعية الطفل أن يشعر أن حب أهله له مشروط بدرجاته.
حين يسمع الطفل عبارات مثل:
"لو نجحت هفرح بيك" أو "أنت كويس لما تجيب درجات"
يترسخ داخله أن قيمته مرتبطة بالأداء، لا بكونه طفلًا محبوبًا لذاته.
هذا الشعور يولّد خوفًا دائمًا من الفشل، ويجعل المذاكرة مصدر قلق بدل أن تكون فرصة للتعلم.
التهوين من مشاعر الطفل
عندما يشتكي الطفل من صعوبة مادة أو من شعوره بالملل، ويُقابل ذلك بجمل مثل:
"كلنا كنا بنذاكر" أو "كبر دماغك"
يشعر الطفل أن مشاعره غير مهمة، فينسحب نفسيًا من التجربة التعليمية.
الاعتراف بالمشاعر لا يعني تبرير التقصير، لكنه خطوة أساسية لإعادة بناء الدافعية.
التركيز على نقاط الضعف فقط
التركيز المستمر على أخطاء الطفل ونقاط ضعفه يُفقده الإحساس بالإنجاز.
بينما إبراز نقاط القوة—even لو بسيطة—يساعده على رؤية نفسه بشكل أكثر إيجابية، ويدفعه للمحاولة من جديد.
كل طفل يحتاج أن يشعر أنه جيد في شيء ما، حتى يستمد منه الطاقة لباقي التحديات.
كيف نبني دافعية داخلية حقيقية؟
- خلق روتين مرن للمذاكرة
- الدافعية لا تنمو في الفوضى.
- وجود وقت شبه ثابت للمذاكرة، مع فترات راحة واضحة، يساعد الطفل على التهيؤ نفسيًا، دون شعور بالضغط أو الملل.
- المرونة هنا ضرورية، لأن الجمود يقتل الحافز.
إعطاء الطفل مساحة للخطأ
الخطأ جزء طبيعي من التعلم.
عندما يشعر الطفل أن الخطأ سيقابَل بالعقاب أو السخرية، يتجنب المحاولة من الأساس.
أما عندما يُقابل الخطأ بالتوجيه الهادئ، يتحول إلى فرصة للفهم لا سببًا للإحباط.
إشعال الفضول بدل فرض الواجب
طرح الأسئلة، وربط الدرس بقصة أو موقف، يجعل التعلم تجربة نشطة.
الطفل بطبيعته فضولي، لكن الدافعية تضعف عندما يُفرض عليه الحفظ دون فهم أو مشاركة.
القدوة أهم من الكلام
الطفل الذي يرى أهله:
- يقرأون
- يتعلمون
- يطوّرون أنفسهم
- يكتسب دافعية تلقائية تجاه التعلم.
- التشجيع الحقيقي يبدأ من السلوك اليومي، لا من النصائح فقط.
الصبر أساس التغيير
إعادة الدافعية عملية تدريجية، وليست قرارًا لحظيًا.
قد تظهر تحسّنات صغيرة في البداية، لكن الاستمرارية هي الفارق الحقيقي.
الطفل لا يحتاج حلولًا سريعة، بل احتواء ثابت ورسائل متكررة بأنه قادر ومقبول.
الخلاصة
فقدان الدافعية عند الطفل للدراسة ليس مشكلة سطحية، بل نتيجة تراكمات نفسية وسلوكية.
والحل لا يكون بالضغط، بل بالفهم، والتدرج، وبناء الثقة من جديد.
استعادة الدافعية ممكنة، عندما نغيّر نحن أولًا طريقة النظر للمشكلة.
